السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
247
مفاتيح الأصول
والمكلفين كما تقدم وما يعرض له النسخ والتغير في الشرائع من قبيل القسم الثاني خاصة وما كان من قبيل القسم الأول فنسخه محال لما ذكروه كحسن الصدق والعدل وقبح الكذب والجور هذا عند أصحابنا والمعتزلة أما الأشاعرة فلا يقولون بكونهما ذاتيين بشيء من الأفعال فيصحّ عندهم انقلاب كل حسن قبيحا وبالعكس فلا استحالة في أن يصير المأمور به في وقت منهيّا عنه في آخر انتهى وقد أشار إلى ما ذكره من اختلاف جهتي الحسن والقبح باختلاف الأحوال والأزمان في العدّة وغاية المأمول والمعراج ومنها ما أشار إليه في شرح المختصر فقال قالوا إن نسخ اللَّه الحكم فإما لحكمة ظهرت له لم تكن ظاهرة له قبل أو لا وكلاهما باطل فالأوّل لأنه هو البداء وأنه على اللَّه محال والثاني لأن ما لا يكون لحكمة فهو عبث وهو أيضا على اللَّه تعالى محال ثم أجاب عن هذا فقال إنا لا نعتبر المصلحة فإن عنيتم بالعبث ما لا مصلحة فيه فهو ملتزم أو غيره فلا يلزم سلمنا لكن المصلحة تختلف باختلاف الأحوال والأزمان كمنفعة شرب الدّواء في وقت أو حالة ومضرته في حالة أخرى أو وقت آخر فقد يتجدد مصلحة لم تكن موجودة لا أنه يتجدد ظهور مصلحة لم يكن ظاهرة فلم يلزم بداء والحاصل إن عنيتم بظهور المصلحة تجددها اخترنا الإثبات ولا بداء أو تجدد العلم بها اخترنا النفي ولا عبث انتهى وقد أشار إلى ما ذكره من الجواب في النهاية وغاية المأمول والإحكام أيضا وفي المعارج إنما يلزم البداء لو كان الأمر بنفس ما نهي عنه والوقت والمكلَّف واحد وأشار إلى ما ذكره في العدة ومنها ما أشار إليه في شرح المختصر أيضا فقال قالوا لو جاز النسخ وهو ارتفاع الحكم فإما قبل وجوده أو بعده أو معه والكلّ باطل أما قبل الوجود فلأنه إذا لم يوجد كيف يرتفع والعدم الأصلي لا يكون ارتفاعا وأما بعد وجوده فلأنه إذا وجد فيمتنع أن يرتفع لأن ما صار موجودا لا يصير معدوما هو بعينه بل عسى أن لا يوجد مثله ثانيا وأما أن يرتفع هو بعينه فمحال وأما مع الوجود فلمثل ذلك مع أمر زائد وهو أنه لو ارتفع حال الوجود لزم اجتماع النفي والإثبات فيوجد حين لا يوجد وأنه مستحيل ثم أجاب عن هذه الحجة فقال الجواب أن هذا يدل على أن الفعل لا يرتفع وهو غير محل النّزاع بل المراد أن التكليف الذي كان متعلَّقا به قد زال وهو ممكن كما يزول بالموت لأنا نعلم بالظاهر أنه بعد الموت لم يبق مكلَّفا بعد أن كان مكلفا وهو معنى الارتفاع في النسخ لا أن الفعل يرتفع انتهى وقد أشار إلى ما ذكره في غاية المأمول أيضا ومنها ما أشار إليه في شرح المختصر أيضا فقال قالوا إما أن يكون الباري تعالى عالما باستمراره أبدا أو لا وعلى التقديرين فلا نسخ أما إذا علم استمراره أبدا فظاهر وإلا لزم الجهل وأما إذا لم يعلم استمراره أبدا فلأنه يعلمه إلى وقت معيّن فيكون الحكم في علمه تعالى موقتا وذلك الوقت غير ثابت فيما بعده فالقول الذي ينفيه فيه لا يكون رافعا لحكم ثابت فلا يكون نسخا ثم أجاب عن هذا فقال الجواب أنا نختار أنه يعلمه إلى وقت معيّن وهو الوقت الذي يعلم أنه ينسخه فيه وعلمه بارتفاعه ينسخه إياه لا يمنع النسخ بل يلزم منه وجود النسخ فكيف ينافيه انتهى وقد أشار إلى ما ذكره في غاية المأمول أيضا ومنها ما أشار إليه في شرح المختصر فقال قالوا الحكم الأول إما مقيد بغاية أو مؤبد وكيف كان لا نسخ أما إذا كان مقيّدا بغاية فلأن الحكم بخلافه بعد تلك الغاية لا يكون نسخا كمن يقول صم إلى العيد ثم يقول في العيد لا تصم إذ ليس فيه رفع قطعا وأما إذا كان مؤبدا فلأنه لا يقبل النسخ أما أولا فللتّناقض إذ حاصله أن مؤبّد وليس مؤبدا وأما ثانيا فلأنه يؤدي إلى تعذر الإخبار عند التأبيد بوجه من الوجوه إذ ما من عبارة يذكر له إلا ويقبل النسخ ونحن نعلم بالظاهر أن ذلك كسائر المعاني النفسية يمكن التعبير عند الإخبار به وأما ثالثا فلأنه يؤدّي إلى نفي الوثوق بتأبيد حكم ما وقد ذكرتم أحكاما مؤبدة كالصّلاة والصوم وأمّا رابعا فلأنه يؤدي إلى جواز نسخ شريعتكم وأنتم لا تقولون به ثم أجاب عن هذه الحجة فقال الجواب أن التأبيد يمكن أن يجعل قيدا في الفعل المتعلق للوجوب وأن يجعل قيدا في الوجوب نفسه والبحث جعله قيدا للفعل نفسه أي الفعل أبدا واجب في الجملة وحينئذ فلا نسلم أنه لا يقبل النسخ وذلك كما لو كان الوقت معيّنا بأن يقول صم رمضان هذه السّنة ثم ينسخ قبله فيكون رمضان ظرفا للصوم والوجوب ثابت قبله ويرتفع قبله فلا يوجد فيه وإذا جاز ذلك مع النّصوصية في الوقت فمع قيد التأبيد وأنه ظاهر في تناوله ويمكن أن لا يتناوله أجدر وتحقيقه أن قولهم صم رمضان أبدا يدل على أن كل صوم شهر من شهور رمضان إلى أبد واجب في الجملة غير المقيد للوجوب بالاستمرار إلى الأبد فلم يمكن رفع الوجوب ومعناه عدم استمراره مناقضا له وذلك كما يقول صم كل رمضان فإن جميع الرّمضانات داخلة في هذا الخطاب وأما إذا مات انقطع الوجوب قطعا ولم يكن نفيا لتعلَّق الوجوب بشيء من الرّمضانات وتناول الخطاب له نعم الممتنع أن يجعل التأبيد قيدا للوجوب بأن يخبر أن الوجوب ثابت أبدا ثم ينسخ حتى يأتي زمان لا وجوب فيه وما ذكرتم من الوجوه إنما يبطل هذا القسم ومثله غير واقع ولا النزاع واقع والتلخيص فإن زمان الواجب غير زمان الوجوب فقد